نص الأجوبة التي بعث بها فريق تونس نيوز ردا على أسئلة وُجّهت إليه من طرف باحث تونسي لغرض علمي في شهر أكتوبر 2015
1- كيف تقيّمون السياسة الإعلامية في تونس من 7 نوفمبر 1987 الى 14 جانفي 2011؟
يمكن القول أنها كانت سياسة واضحة المعالم محددة الأهداف. بعد بعض التردد في الأشهر الاولى، اتجهت أساسا الى صناعة صورة الزعيم الجديد وطمس معالم الفترة السابقة وإضفاء أكبر قدر ممكن من الشرعية على الانقلاب الطبي ثم انتقلت بعد انتخابات 2 أفريل 1989إلى شيطنة حركة النهضة والتمهيد لاستبعادها من المشهد تماماً وتهميش بقية فئات المعارضة الجدية. وبشكل مواز، بذلت جهودا لا يستهان به للترويج لصورة مثالية للبلاد ونظام الحكم فيها في العالم عموما وفي العواصم المؤثرة في القرار التونسي خصوصا.
2- برأيكم هل كانت لهذه السياسة منهجيّة دقيقة ومحدّدة وهل عرفت مراحل وتطورات؟
نعم، كانت سياسة منهجية عملت (بالتعاون مع أطراف داخلية وخارجية ومن خلال إنفاق أموال لا يستهان بها على إعلاميين ووسائل اعلام عربية وغربية وافريقية) على ترسيخ جملة من الأفكار حول تونس من قبيل البلد الحداثي والعصري والمتطور علميا والناهض اقتصاديا والجذاب سياحيا. مع استغلال المخاوف من تداعيات الحرب الأهلية في الجزائر طيلة التسعينات وتداعيات تفجيرات 11 سبتمبر 2001 للترويج لحكمة القيادة واستباقها واستشرافها تبريرا لسياسة الاستئصال المنهجية للتيار الاسلامي العريض وقمع كل الأصوات المعارضة. يمكن القول أن المراحل والتطورات سارت بشكل متواز مع ما كان يحدث على الساحة الداخلية، فعندما يشتد الضغط الحقوقي او الإعلامي على النظام في فرنسا (قضية تورط منصف بن علي في شبكة لتهريب المخدرات مثلا) تتم محاولة التغطية عليها بتنظيم زيارة لميتران الى تونس، وحينما ترتفع أصوات الشخصيات الحقوقية والمدافعين عن حقوق الانسان للتنديد بما كان يحدث من انتهاكات يتم الترويج من خلال جون افريك وعدد من "الأصدقاء" في وسائل الاعلام الفرنسية الى دور الرئيس في التصدي للأصولية وتثبيت مكتسبات البورقيبية من خلال تطوير بعض فصول مجلة الأحوال الشخصية. في المقابل، كانت هناك ثوابت في هذه السياسة لم تحد عنها وكالة الاتصال الخارجي حتى يوم 14 جانفي 2011.
3- كيف كُنتُم تتفاعلون في موقع تونس نيوز مع هذه السياسة؟
بدون مبالغة، يمكن القول ان الوعي بمفردات هذه السياسة المنهجية التي كانت تدار بميزانيات ضخمة وبجيش من الموظفين وتسير مباشرة من طرف بن علي دفع فريق تونس نيوز الى محاولة احداث ثقب في جدار هذه السياسة التي بدت لغير المطلعين انها متماسكة وغير قابلة للاختراق. لم تكن لدينا اوهام عندما انطلقنا رسميا يوم 1 ماي 2000 ولكننا فهمنا بشكل مبكّر ربما أن إيصال المعلومة الدقيقة والتحليل الموضوعي والخبر الصحيح الى التونسيين (والنخب السياسية والحقوقية والفكرية والنقابية والطلابية والتسوية بشكل خاص) في شتى ولايات ومدن وقرى الداخل عبر البريد الالكتروني الشخصي سيساهم في إيجاد هذا الثقب اولا وفي توسيعه ثانيا. وبقدر ما ازداد التعتيم والانغلاق السياسي للنظام في الداخل بقدر ما ساعدت المادة اليومية المرسلة من طرف تونس نيوز على الفهم وتوسيع مجال الوعي وكسر جدار التعتيم ونسف المغالطات التي كان يتم الترويج لها في وسائل الاعلام الرسمية.
4- هل كانت لكم استراتيجية واضحة وما هي الأهداف التي كُنتُم تعملون على تحقيقها؟
مثلما أوضحنا في الجواب الفائت، كنا على وعي تام بمحدودية عملنا التطوعي وببساطة إمكانياتنا، كما كنا على قناعة بأن "الزبد يذهب جُفَاء" لذلك فان الهدف الرئيسي الذي كنا نعمل على تحقيقه يتلخص في توفير المعلومة الدقيقة المنسوبة الى مصدرها ووضعها على ذمة التونسيين الذين كانوا يعيشون وراء جدار سميك من المغالطات والاكاذيب. هناك بالطبع أهداف جانبية أخرى لا تقل أهمية من بينها تعريف التونسيين ببعضهم البعض من خلال اعادة نشر ما يكتبه أو ما يصرح به إعلاميون وسياسيون وباحثون وروائيون ومثقفون وجامعيون تونسيون محجوبون عن مواطنيهم او غير معروفين أصلا داخل بلادهم. إضافة الى تسليط الاضواء على زوايا مظلمة تماماً من خلال بيانات المنظمات الحقوقية او شهادات ضحايا القمع او معلومات مسربة من جهات موثوقة بشأن حجم النهب والفساد. حرصنا أيضا على نشر كل ما يصدر عن الأحزاب والهيئات غير المعترف بها او المضيق عليها لتوثيق بياناتها اولا ولتمكين المعنيين والباحثين والاعلاميين من إمكانية الاطلاع عليها بدون تحريف او زيادة او نقصان، وهو هدف آخر من أهدافنا يتلخص في القطع مع سياسة "هاو قالوا" واستبدالها بمنهجية العودة الى الوثيقة الرسمية الأصلية الصادرة عن هذا الطرف او ذاك.
5- أين كانت تبدو لكم نقاط ضعف السياسة الإعلامية للنظام السابق؟
يمكن تلخيصها في المثل العربي الشهير: "حبل الكذب قصير"! لكن يمكن القول أن نقطة الضعف الرئيسية في سياسة النظام الإعلامية أن الواقع المعاش لنسبة لا يستهان بها من الشعب (الذي انتفض في 17 ديسمبر 2010) كان يفندها ويجذبها يوميا. ومع أن النظام انتبه مبكرا الى أهمية الفضائيات وبدأ البث التلفزيوني عبر الأقمار الاصطناعية في وقت مبكّر جداً مقارنة بمعظم البلدان العربية الا أن ميلاد قناة الجزيرة في 1 نوفمبر 1996 (وتعدد القنوات الناقدة وحتى المعارضة في السنوات الموالية) أسهمت بشكل لا يستهان به في تفنيد الرواية الرسمية وتوسيع دائرة المتشككين في إنجازات السابع من نوفمبر والمعارضين له بشكل عام.
6- أعطت السلطة السياسية أهمية بالغة لموقع تونس نيوز والعديد من المواقع الالكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي بحسب رأيكم ما خلفيّة ذلك؟
نرى أن القائمين على تنفيذ سياسة النظام الإعلامية كانوا على وعي تام بأن إتاحة المعلومة الدقيقة والموثوقة وتوفير التحليل الموضوعي المتوازن وتمكين كل التونسيين أيا كانت توجهاتهم وانتماءاتهم من حق التعبير عن آرائهم وأفكارهم في ظل الاحترام المتبادل يوفر بديلا احترافيا ومقنعا وقادرا على التأثير في أوساط النخبة وعموم التونسيين (خصوصا وأننا بصدد الحديث عن شعب متعلم في اغلبيته الساحقة ويقيم 10% من ابنائه في الخارج)، أي أنه يفكك بهدوء ووعي ولكن في العمق بيوت العنكبوت التي ينسجونها داخل البلاد وخارجها، وهنا بدا واضحا أن السلطة السياسية (او من يفكرون داخلها) انزعجوا كثيرا من الأبعاد الحقيقية لهذا العمل اليومي السلمي القانوني العقلاني المنفتح على الجميع بدون إقصاء أو ترذيل أو تهميش.
7- هل كُنتُم تميّزون في عملكم بين الشأن السياسي، بما هو انتماءات حزبية أو معارضة للسلطة، والتعاطي الإعلامي بما هو احترام لأخلاقيات المهنة الصحفيّة وضوابطها؟
أجبنا عن هذا السؤال في طيات الاجوبة السابقة ولكن هنا لا بد من اضافة: نعم، حرصنا واجتهدنا (ولا شك أننا قصرنا وأخطأنا ولكن بدون تعمد) في أن يكون تعاطينا الإعلامي أقرب ما يكون احتراما للأخلاقيات عموما رغم أننا لسنا من محترفي الاعلام. في هذا السياق، جاء حرصنا على نسبة كل خبر او مقال او بيان او تحليل الى صاحبه اولا والى مصدره ثانيا. كما لم نتردد في الاعتذار عند ارتكاب بعض الأخطاء وحرصنا ايضا على تمكين كل من طلب ذلك من حق الرد أو التصحيح أو التفنيد ويمكن من خلال الأرشيف الاطلاع على سجالات طويلة بين عدد من المتدخلين حول بعض المسائل المثيرة للجدل.
على صعيد آخر، لم تكن لدينا الإمكانيات ولا الوقت لننجز تحقيقات صحفية أو نحرر مادة إعلامية خاصة بنا (الا فيما ندر)، لكننا اجتهدنا في توفير مادة متوازنة ودسمة وموضوعية للمشتركين في رسالتنا الإخبارية اليومية.
8- كيف كُنتُم ترصدون تفاعل المواطنين مع عملكم الإعلامي والإخباري؟
بدأ التفاعل باحتشام وتردد ولكن مع مرور الوقت ارتفع حجم المراسلات وزاد عدد المساهمات لكن أهم مقياس لهذا التفاعل لمسناه حين أعلنا في موفى 2007 عن اعتزامها التوقف عن الصدور لأسباب خاصة، فقد فوجئنا بحجم المناشدات والرسائل التي تطالبنا بالعدول عن قرارنا وإعادة النظر فيه، بل ذهب البعض الى انه لا يتصور ان يفتح بريده الالكتروني صباح اليوم الموالي ولا يعثر فيه على تونس نيوز. هذا التفاعل الذي كنا نتخيله ولكننا لم نكن على وعي تام بحجمه دفعنا للتراجع عن قرارنا.
9- كيف تفاعلتم مع الاحتجاجات الشعبية وحدث الثورة؟
منذ احداث الحوض المنجمي سنة 2008 في قفصة، تابعنا بانتباه سير الأحداث وانتبهنا الى وجود اجيال شبابية جديدة خارج العاصمة تتحرك ميدانيا وتحاول التعبير عن احتجاجاتها وإبلاغ صوتها ومطالبها، لذلك واصلنا تغطيتنا العادية عندما بدأت الاحتجاجات في سيدي بوزيد ثم تصاعدت الى حين رحيل الطاغية. كنا نشعر أن التراكم ولّد هذه اللحظة وفوجئنا كما فوجئ الجميع بالسرعة التي سارت عليها الأمور ولكننا كنا نؤمل أن يرتفع المعارضون الحقيقيون لمستوى اللحظة...
10- هل كان سقوط النظام في 14 جانفي دليلا على فشل سياسته الإعلامية وعجزها ؟
نعم بالتأكيد، لقد فقد إعلامه اي مصداقية بل تحول الى ملهاة مبكية ومحزنة.
11- بحسب متابعتكم وتقييمكم هل لعبت وسائل الاتصال الحديثة وخاصة الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي دورا في إسقاط النظام السابق؟
لنقل انها لعبت دورا مهما في التهيئة للحظة الانهيار. عندما نراجع المسلسل الطويل بدءا من افتتاحية أم زياد في "الرأي" (جانفي 1988) ومرورا بما كانت تنشره جريدة الموقف كل أسبوع وموقع تونيزين للمرحوم زهير اليحياوي ومجلة "كلمة" الالكترونية، ومواقع الحوار.نت ونواة والوسط التونسية. وووو…. ثم عشرات المدونات ومئات الصفحات الفايسبوكية التي عبر من خلالها التونسيون ابتداء من 2007 - 2008 بحرية وجرأة لم تكن مُتخيّلة عندما بدأت مغامرة تونس نيوز... يمكننا القول بكل اطمئنان الى أن "الخرق اتسع على الفاتق" في لحظة فارقة، وبأن الأجيال الجديدة (وجزء من القديمة) أمسكت بعنان التكنولوجيات التواصلية الحديثة وغيَّرت المشهد التونسي مرة واحدة والى الأبد! (رغم كل انتكاسات الثورة المضادة ومحاولاتها العبثية لإعادة عجلة التاريخ الى الوراء).
تعريف موجز لتونس نيوز
رسالة اخبارية إليكترونية اهتمت من 1 ماي 2000 إلى 31 جانفي 2012 بكسر التعتيم الإعلامي السائد في البلاد من خلال متابعة يومية لأهم تطورات الشأن التونسي عبر جمع وتبويب أهم الأخبار والبيانات الحقوقية والحزبية والمقالات والتحقيقات المنشورة عن الأوضاع التونسية بشتى اللغات (فرنسية، انجليزية، ألمانية، إيطالية)، إضافة الى إسهامات كتاب ونشطاء وسياسيين ومفكرين ومواطنين عاديين بما يوفر فرصة لإدارة حوار متحضر بين أبناء الوطن الواحد مهما تباينت آراؤهم وتوجهاتهم.

