على إثر إعلان فريق تونس نيوز عن قراره التوقف عن إصدار النشرية اليومية ابتداء من 1 ديسمبر 2007، تلقينا العديد من الرسائل من القراء والمشتركين ننشر فيما يلي نبذة ثاالثة منها.
منذر عمّار
قصتي مع تونس نيوز
بدأت قصتي مع تونس نيوز بسوء فهم ما زال يضحكني إلى اليوم ؛ فقد أرسل شخص أجهل هويته عنواني الإنترناتي إلى فريق تونس نيوز في أواسط العام ألفين، شهرا أو شهرين بعد هجرتي إلى كندا؛ ورغم تتبعي للأخبار الممنوعة بواسطة الإنترنات منذ العام تسعة و تسعين بعد اشتراكي في ناديين للإنترنات في سوسة و أريانة فإنّني لم أسمع قطّ بتلك الرسالة الإخباريّة اليومية التي تستقي معلوماتها من تونس و تجمّعها في استوكهولم ثمّ ترسلها إلى مشتركيها في مختلف أصقاع العالم.
و عندما وصلني أوّل عدد من تونس نيوز ظننته دعاية حكومية فلم أفتح الرّسالة و وضعت عنوان المرسل في خانة العناوين الغير المرغوب فيها؛ و لم يمض وقت طويل حتى اكتشفت موقع تونس نيوز و انقشعت الغشاوة عن عينيّ ؛ و قد أصبحت منذ ذلك الحين مدمنا على تونس نيوز إدمان جدّتي على قهوة الصّباح "الكانونية".
و بفضل تونس نيوز علمت بولادة طفلة بهيّة الطّلعة سمّاها أبوها تونيزين؛ "أبوها" التّونسي كان قائد اُوركسترا يبحث عن عازفين، و كنت عازفا ـ مكبوتا ـ يبحث عن مايسترو موهوب؛ و من عجائب الأقدار أنّ القائد و العازف لم يلتقيا قطّ، و منذ أن غاب القائد عن الرّكح بقيت أردّد ألحان ماض لن يعود.
قد يتساءل البعض لماذا خبت جذوة النّقد و المعارضة و المقاومة؟ لأنّ كلّ ما يجب أن يقال قد قيل ـ تعذيب، تنكيل، نفي، تعنيف، محاصرة، عبادة الدّكتاتور، لغة خشبيّة، رشوة، مافيوقراطية، إلخ ـ والمطلوب لم يعد تشخيص المرض بل العلاج و عند هذه النّقطة يطلع الصّباح و تكفّ شهرزاد عن الكلام المباح، فلا دكاترتنا و لا صيادلتنا المعارضون قادرون على تصوّر برنامج علاج لطرد الزّين وليلى من قرطاج.
و لكنّ الدّاء التّونسي لا يتلخّص في الزّين و ليلى بل كذلك في السّرطان التّجمّعي؛ فحزب الدّستور قد احتلّ الفضاء الجغرافي و السٌياسي منذ نصف قرن لذلك فلن أستغرب استمرار الهيمنة المطلقة لهذا الحزب بعد رحيل بن علي.
هل تعني نظرتي المتشائمة أن وجود تونس نيوز يتساوى مع عدمها؟ كلا، أبدا؛ إذ أستطيع أن أقول دون مبالغة إنّ تونس نيوز قد أنقذت عشرات الأرواح البريئة بمجرّد الإعلام بإيقاف الأشخاص أو بتدهور أوضاع الموقوفين و المساجين؛ باختصار لقد انتصرت الدّكتاتورية انتصارا ساحقا على المجتمع التّونسي و لكن لا تتركوها أبدا تلعب في الظّلام.
تونس نيوز: بيان الإسلاميين الديمقراطيين
بقلم: خالد شوكات (*)
اضطرت بعض الشعوب إلى نقل أشواقها وتطلعاتها إلى حياة سياسية ديمقراطية، من أهم مميزاتها صحافة حرة وجريئة ومسؤولة، إلى عالم الانترنت، حيث تقل قدرة الأنظمة الشمولية على الرقابة والمصادرة، كما تكون كلفة الانتاج ميسورة في متناول الأغنياء والفقراء على السواء، ولعل في هذا الأمر ما يشفع للعولمة قليلا، خصوصا لدى أولئك الذين دوخهم غلاء الأسعار وردة رأس المال إلى شكله المتوحش كما كان.
والشعب التونسي، هو واحد من هذه الشعوب، فقد إلتجأت غالبية نخبه وقواه الإصلاحية والديمقراطية ذات المصداقية إلى صحافة الانترنت، بعد أن استعصى عليها الحل مع السلطات، التي استضافت قبل سنتين "القمة الأممية للمعلومات"، أو بعبارة أوضح "القمة العالمية للانترنت"، رغم أن سلطة الانترنت الأممية قد صنفتها ضمن قائمة سوداء تضم عشرة دول في العالم، هي الأكثر رقابة ومصادرة للمواقع الالكترونية.
وفي تونس، توجد مئات العناوين من الصحف والمجلات، أكثريتها الكاثرة تعمل تحت يافطة الاستقلالية، لكنها في واقع الأمر شبه حكومية، بل إن في بعضها من التهليل والتكبير للنظام الحاكم، أكثر من صحف الحزب الحاكم نفسه، ولعل قارئ الصحف البريطانية أو الفرنسية أو الأمريكية، إن أقصر فهمه واقع البلاد على مقالاتها، سيتبادر إلى ذهنه أنها جحيم لا يطاق من كثر الوارد من المشاكل والانتقادات، خلافا للصحف التونسية التي ترى واجبها قاصرا على تعداد الإنجازات و بيان الثغرات، ثغرات الحاسدين والمغرضين بطبيعة الحال.
و للحكم التونسي قدرة عجيبة على تطويع أهل الصحافة الورقية، على الرغم من دعوة الرئيس بن علي في أكثر من مناسبة الصحافيين التونسيين إلى التحرر من عقدة الخوف والرقابة الذاتية، غير أن الصحافيين فيما يبدو، ملتزمون –التزاما عقائديا- بالأوامر الباطنية لمن هم دون الرئيس، أكثر من إنصاتهم للأوامر الرئاسية العلنية، والذين بيدهم ربما، مفاتيح الحصص الإعلانية العامة والخاصة، ومفاتيح خزانات ورق الطباعة أيضا، فقد أقدمت السلطات التونسية على خصخصة كل شيء تقريبا، إلا القطاعات ذات الصلة بالحرية والديمقراطية، حيث بقيت – وستبقى- رمزا للسيادة الوطنية، وجدارا منيعا تتكسر على عتبته كل الإرادات الشريرة الناكرة للمعروف.
صحافة الانترنت إذا، شكلت للأقلام التونسية الراغبة في إيصال أصواتها دون المرور على هيئة الرقابة والمصادرة، ملاذا غير آمن، لكنه ملاذ على أية حال، فبرزت في فضاء التونسيين الافتراضي العديد من المواقع التي تعنى بالشأن السياسي التونسي، متخصصة كليا أو جزئيا فيه، حتى وإن كانت في غالبيتها مسجلة في دول أخرى، غربية غالبا، وحتى وإن كان القائمون عليها مهاجرون منفيون، لاجئون سياسيون أو من المغضوب عليهم والضالين.
وقد تباينت المواقع السياسية التونسية في جودتها المهنية والفنية، وعكست في مجملها أوضاع المعارضة الرثة، وانقساماتها التي لا حد لها، كما كشفت أيضا عن أمراض الشخصية النخبوية التونسية المتعددة، حتى وإن كانت حاملة للواء الإصلاح والتغيير والديمقراطية، من نرجسية شخصية لا حد لها، واستعداد غير محدود للانحطاط الأخلاقي من خلال استباحة أعراض الخصوم، وتطويع المواقع الحزبية للهجومات الشخصية، واختلاق الأكاذيب والدس والتشويه والسب والشتم والتحطيم..إلخ، مما يعكس حقيقة أن الورم السرطاني الذي أصاب العقل السياسي العربي، لم يطل جهاز الحكم فحسب، بل طال أيضا جهاز المعارضة.
غير أن التحليل المتوازن للصحافة الالكترونية التونسية، يقتضي حتما التنويه بتجربة، أعلن أصحابها "غير المعلنين" عن توقفها قبل أيام قليلة، و لا أخفي على القارئ الكريم مدى الشعور بالألم والإحباط والحسرة الذي انتابني، وأنا أقرأ رسالة "وداع" حزينة يستأذن فيها أهل النشرة قراءهم بالانصراف لظروف قاهرة ألمت بهم، بعد عطاء استمر سبع سنوات وسبعة أشهر متواصلة، دون توقف ليوم واحد، بما في ذلك الأعياد والإجازات، و السبعة في تونس لمن لا يعرف، رقم مقدس ومبارك.
لقد قدمت نشرة "تونس نيوز" الالكترونية، التي يجري إرسالها يوميا إلى ما يقارب الخمسين ألف مشترك (حسب مصادر شبه مؤكدة)، خدمة إعلامية مميزة لكافة التيارات السياسية والفكرية التونسية، الرسمية وغير الرسمية، ناقلة إلى قرائها أخبار الحكومة من المصادر الحكومية وغير الحكومية، وفاسحة المجال أمام كل الأقلام، القريبة من الحكم والمعارضة له، وعاكسة بأمانة كبيرة كافة أنواع الجدل الدائر بين مختلف الحساسيات، فقد جمعت دون تمييز يذكر بين الإسلاميين والقوميين والليبراليين والشيوعيين والمستقلين، وقدمت أهل الرأي والخبرة من المتحزبين وغير المتحزبين.
الثقافة السياسية التونسية، كما هو حال الثقافة العربية والإسلامية، لا تتوفر على تقاليد الصبر على الرأي المخالف وإتاحة الفرصة في الحيز المتحكم فيه أمام المختلف، ونادرا ما يوجد في الصحافة الورقية والالكترونية على السواء، موقع إسلامي يسمح لشيوعي أو ليبرالي الكتابة فيه، أو موقع ليبرالي حتى، يسمح لمن يعتبرهم ظلاميين وأعداء للحرية بالتعبير عن وجهات نظرهم من خلاله، وعموما فإن العربي ميال محب لسماع صوته أو أي صوت يشبهه، ويضيق صدره أيما ضيق بالآخر، غير أن القائمين على "تونس نيوز" كانوا مختلفين عن السائد فعلا، وشكلوا برأيي تجربة مميزة تقتدى، وحازوا على ثقة كافة أطراف المعادلة السياسية التونسية، إلا طرف الحكم بطبيعة الحال، وقلما يرضى هذا الطرف عن أحد.
وأحسب أن أهل الحكم التونسي، الذي قالت بعض المصادر أنه ربما يكون وراء الضغوطات التي أجبرت القائمين على النشرة لإيقافها، سيكون أول وأبرز المتضررين من هذا التوقف، فقد كانت لدى الأجهزة المختصة، وخصوصا الجهاز الاستخباراتي، فرصة يومية للاطلاع على خارطة المعارضة، أو بالأحرى المعارضات، وعلى جدل المعارضين وصراعاتهم الحقيقية والوهمية، الراقية والمسفة على السواء، أما بعد اليوم فستضطر هذه الأجهزة إلى الاجتهاد والمعاناة أكثر في جمع آراء المحبين والخصوم، وفي البحث أكثر في الفضاء الالكتروني وخارجه.
لقد ثبت أن القائمين على نشرة "تونس نيوز" هم من الإسلاميين، وربما كان بعضهم من أعضاء حركة النهضة الإسلامية المحظورة، غير أن للحركة ولبعض المجموعات التابعة لها، موقع رسمي ومواقع أخرى شبه رسمية، تشتغل في غالبيتها وفقا للآليات الحزبية المعروفة تونسيا وعربيا، حيث يرحب بأهل البيت والأصحاب وغير الأعداء، أما الخصوم فلا تحية لهم غير التجريح والتوبيخ والحط من الشأن والقيمة، و لهذا فقد جاء التميز لافتا، حيث لم توصد النشرة بابها أمام كل النقاد، ومن خلالها وجه عديد الكتاب، وأنا واحد منهم، أقسى أنواع النقد للنهضة ولشيخها راشد الغنوشي ولكل من واله وأيده.
إن احتضان "تونس نيوز" بكل نزاهة ورقي أخلاقي وحياد مهني، لمعارك عديدة بين أعضاء النهضة ومنتقديها، وبين أهل الحكم ومعارضيهم، وبين مختلف الفرقاء السياسيين والإيديولوجيين، حيث استمرت هذه المعارك أشهرا بل سنوات، جعلها مناطا لتقدير جميع التونسيين، ومحل ثقة تسعى كافة الأطراف تقريبا، بما في ذلك أطراف قريبة من الحكم، أو غير مغضوب عليها على الأقل، لنشر أخبارها وإعلاناتها إلى أعضائها أو المهتمين بأنشطتها، من خلالها، وهو أمر نادر الحدوث تونسيا وعربيا.
و إن من مميزات "تونس نيوز" أنها كانت عملا تطوعيا صرفا، لا يتقاضى القائمون عليه أي قرش من أي طرف، وهو الحال الثابت من تحقق أمور ثلاثة، تواضع التصميم من الناحية الفنية، والأهم الاستقلالية والمهنية، و كذلك نكران الذات، فلحد الساعة لا أحد من القراء يعرف حقا أسماء المحررين أو المشرفين، و لهذا فقد استحق هؤلاء الفرسان تحية إكبار وإجلال من لدن قادة الحياة السياسية والفكرية، إذ لم أجد أحدا من التونسيين هذه الأيام، إلا وفي قلبه لوعة على قرار التوقف.
ربما لا يستطيع كثير من القراء العرب إدراك ما أردت أن أوصله من معاني بخصوص هذه الوسيلة الإعلامية المتميزة، غير أنني سأحاول إيجاز العبارة ختاما في كلمات تالية: لقد زرت طيلة السنوات السبع الماضية ما يقارب الخمسين بلدا، بمن فيهم تونس التي تمنع موقع النشرة، وكانت وسيلتي اليومية للتواصل مع أخبار بلدي هي هذه النشرة، التي تحدت الحظر عن طريق الإيميل، فكانت تقريبا أول "إيميل" أقراه آخر الليل أو أول الصباح، وكان كافيا شافيا، أعرف من خلاله إلى أي محطة وصل القطار التونسي، وما نوع البضاعة التي يحملها، ومن هم باعتها ومشتروها، كما أحاول جاهدا استشراف وجهته، لكنني غالبا ما أفشل...كانت "تونس نيوز" بيانا يوميا يصدره "إسلاميون من نوع خاص"، إسلاميون ديمقراطيون، نريد لهم الغلبة على كل الأنواع الأخرى من الإسلاميين، لأن الأوطان تحتاج في بنائها إلى كل أبنائها..تحتاج إلى من يجد في قلبه وعقله قليل من الأرض والتسامح لغيره المختلف عنه..سامح الله بعض البشر، وخصوصا الحكام منهم.
(*) كاتب تونسي
(المصدر: صحيفة "الوسط التونسية" (أليكترونية – ألمانيا) بتاريخ 3 ديسمبر 2007) كما نشرتها صحيفة الموقف المعارضة في الصفحة 4 من عددها رقم 430 الصادر يوم 7 ديسمبر 2007 تحت عنوان: "تونس نيوز": إسهام متميز للإسلاميين الديمقراطيين في فضائنا الإعلامي)
الزملاء الأعزّاء في فريق نشريّة تونس نيوز،
سلام وإحترام،
الف شكر على قراركم الشجاع بالعودة الى النشاط. حقيقة تونس في أمسّ الحاجة الى مجهودكم الإعلامي الجبّار، خاصّة مع اشتداد حملة القمع مؤخّرا...
اليكم تدوينة وضعتها مؤخرا على مدوّنتي الشخصية حول قراركم التوقّف عن النشاط. هي شهادة متواضعة منّي شكرا لكم واشادة بدوركم الرئيس الذي سيذكره ولا شكّ تاريخ تونس الحرّة يوما ما بإذن الله
غسّان بن خليفة
أحرار تونس "يتامي" لفقدانهم فضاء تونسنيوز
كغيري من التونسيين والتونسيات الذين تعوّدوا على هذا الفضاء، أحسّ بحالة من اليتم العاطفي منذ ليلة أمس.
ولو انّه يبدو انّ أعضاء فريق ادارة هذا المنبر المناضل كانوا من ذوي النزعة الإسلامية ورغم بعض الإنتقادات التي يمكن ان توجّه اليهم حول أدائهم، فإنّه لا بدّ ان نعترف لهم بمدى انفتاحهم على مختلف الأطياف السياسية والفكرية للمجتمع التونسي وقبولهم بالإختلاف، بل وإعطاء المثال في احتضانه وادارته.
في انتظار سدّ الفراغ الرهيب الذي تركته تونسنيوز، أتقدّم بشكري الى الإخوة الساهرين على الموقع على المجهودات الجبّارة التي بذلوها، مع تمنّياتي لهم بالتوفيق في حيواتهم. ومع ذلك لا يمكنني ان أمنع نفسي من الأمل الخافت في ان يعدلوا عن قرارهم
مدونة "ياسمينة في الليل" لغسان بن خليفة بتاريخ 3 ديسمبر 2007
إلى المشرفين على موقع تونس نيوز
يتراوح المرء حيالكم بين ما صارت عليه العادة أو صرتم ضمن ما اعتاده، مهما تكن النظرة إلى موقعكم والموقف منكم من جهة، وبين حقّكم الطبيعي والمشروع في أن تكون لكم حياة أخرى، أو هي حياتكم كما لا حقّ لنا في أن نكون جزءا منها أو محدّدًا أساسيّا لجدليّة الخيار فيها، لكنّ المعادلة أصعب من منطق اللحظة وقراءات الذات. معادلة نعلمها صعبة أكيدًا، ليس على مستويات ما قدّمتموه من تضحيات أو هو البذل أو قد تكون الهجرة والاغتراب والشتات، وقد صار الوطن بعيدًا وصيّركم هذا الموقع من «صانعي القرار فيه»، بل أن ننظر إليكم في صفة البشر. بشر لهم آمالهم وأحلامهم وآلامهم وبعض من ضيق الصبر الذي نقاومه أحيانًا ويغلبنا حينًا...
ليس للمرء سوى أن يحترم خياركم، لكنّكم أسرى هذا النجاح وقد حبسكم هذا الموقع ضمن ما صرتم ترون وما هو ماثل أمامكم بين واقع موبوء وقادم نحلم به أفضل.
الأكيد أنّكم تملكون القدرة ـ كما كان العهد بكم ـ ليس على تحمّل مسؤوليّة بيّنتم قدرة على حملها، بل على الخروج بهذا الفعل من مجال الذات اللصيقة إلى بّر الفعل الوسع... فعل الرسوخ الجامع والتأسيس الدّائم... تلك مهمّة الجميع، والجميع معكم.
كتبتُ هذا المقال ضمن ركن «ورقة التوت» من العدد 39 من أسبوعية مواطنون (بتاريخ 5 ديسمبر 2007):
تونسنيوز... الحاضرون رغم الغياب.
مهما كان الموقف ممّا ينشره موقع تونسنيوز ومهما كانت النظرة إلى المشرفين عليه أو ما يحملون من قناعات سياسية أو ما هي سياستهم التحريريّة من اختيار لما يقومون بنشره، فالأكيد وما لا يقبل الجدل هو أنّ الرسالة اليوميّة لهذا الموقع، حين كان الوصول إليه من الممنوعات، صارت كمثل السجائر لدى البعض أو هي القهوة الصباحيّة، إن لم نقل قهوة منتصف الليل، حين لا ينام الكثير إلاّ بعد الإطّلاع على فحوى هذه الرسالة...
استطاع هؤلاء الشباب، عن عفويّة أو هي دراية، أن يحدثوا تأثيرات جمّة في المشهد الإعلامي التونسي، وقد صار موقعهم سوق عكاظ يتلاقى فيه الأعداء ويتبارزون، أو ربّما وصل الأمر إلى أشياء أخرى...
قد يكون ما حرّك هؤلاء «الفتية» غيرة على وطنهم أو هم بحسب البعض من الإسلاميين المعتدلين أو هم بحسب آخرون يركبون التقيّة أو بالأحرى يتستّرون بها، إلاّ أنّهم استطاعوا بوجودهم وفعلهم وتأثيرهم، أن يرسّخوا قناعة أصبحت لا تقبل الدحض، بأنّ المشهد الإعلامي التونسي أو في تونس، معلول وبه من الوهن ومواطن الضعف، ما يجعل الأمور تدعو إلى التفكير والروية أكثر منه إلى الهروب إلى الأمام أو اتّجاهات أخرى...
ما قام بنشره هذا الموقع على مدى السنين الفارطة يمثّل مادّة ثريّة أمام الباحثين الأكاديميين ممّن يرغبون في دراسة «الإعلام» الآخر، أيّ الإعلام المرفوض من قبل الرقابة والمشرفين على المنابر الصحفيّة في تونس، سواء كان الرفض بقرارات فوقيّة أو هو نتاج الاختلاف في الموقف والتباين في الموقع...
كان من الممكن لهذا الموقع تونسنيوز أن يكون موقعًا بين المواقع ومنبرًا إعلاميا كغيره من المنابر في بلد كانت الصحافة فيه والإعلام بصفة أعمّ على غير ما هو عليه الوضع في تونس من أحاديّة في الرأي، لا تعني فقط السلطة السياسيّة، وقد لا يكون مطلوبًا من السلطة أن تكون غير ذاتها، بل حين صار من هم أسفل يجاهرون بالعداء لأدنى درجات التعدّد والاختلاف وينقضون على كلّ زهرة اختلاف في أيّ بستان كان...
الكثيرون أصابهم الغم والكدر أو هو الحزن والأسف، وكثيرون أعلنوا الفرحة وها هم يشربون نخب هذا القبر الذي شيّدوه لهذا الموقع، أو هكذا شبّه لهم، لكنّ المسألة في تجاوز لهذا وفي تعال عن ذاك، تعني اليتم الذي سيعاني منه قطاع واسع ممّن اعتادوا هذا الموقع من باب الإطّلاع أو هو مّما درجوا على إرساله من مشاركات، بمن فيهم من يرفعون الأقداح راهنًا...
حين صار يقينًا بعجز الساحة الإعلاميّة التونسيّة أو في تونس عن إنجاز موقع مثل هذا الموقع، وموقع يؤدّي دور هذا الموقع، يكون المحتفلون باختفاء هذا الموقع، كمن يحتفل بجنازتهم في فيلم يسافر ضمن الزمن ويجعل الواحد يعيد شريط حياته في لحظات...
لا نعلم متى يعود هذا الموقع، وفي أيّ حلّة يعود، إضافة إلى الأسباب التي دفعت هؤلاء الشباب للتوقّف، لكنّ الثابت والأكيد هو أنّ الفراغ الذي تركوه يجعل القارئ العادي كما رجل السياسة يقرأ المسألة أو هي المعادلة من زواياها العديدة ووجهاتها المتعددة...
نصر الدين بن حديد

